ابن قيم الجوزية

311

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وإذا لم يكن بدّ من المحاكمة إلى الذوق . فهلم نحاكمك إلى ذوق لا ننكره نحن ولا أنت ، غير هذه الأذواق التي ذكرناها . فالقلب يعرض له حالتان : حالة حزن وأسف على مفقود ، وحالة فرح ورضى بموجود . وله بمقتضى هاتين الحالتين عبوديتان . وله بمقتضى الحالة الأولى : عبودية الرضاء . وهي للسابقين . والصبر ، وهي لأصحاب اليمين . وله بمقتضى الحالة الثانية : عبودية الشكر . والشاكرون فيها أيضا نوعان : سابقون ، وأصحاب يمين . فاقتطعته النفس والشيطان عن هاتين العبوديتين ، بصوتين أحمقين فاجرين . هما للشيطان لا للرحمن : صوت الندب والنياحة عند الحزن وفوات المحبوب . وصوت اللهو والمزمار والغناء عند الفرح وحصول المطلوب فعوّضه الشيطان بهذين الصوتين عن تينك العبوديتين . وقد أشار النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى هذا المعنى بعينه في حديث أنس رضي اللّه عنه « إنما نهيت عن صوتين أحمقين ، فاجرين : صوت ويل عند مصيبة . وصوت مزمار عند نعمة » . ووافق ذلك راحة من النفس وشهوة ولذة ، وسرت فيها تلك الرقائق حتى تعبّد بها من قلّ نصيبه من النور النبوي . وقلّ مشربه من العين المحمدية ، وانضاف ذلك إلى صدق وطلب وإرادة مضادة لشهوات أهل الغي وأهل البطالة . ورأوا قساوة قلوب المنكرين لطريقتهم ، وكثافة حجبهم ، وغلظة طباعهم ، وثقل أرواحهم . وصادف ذلك تحريكا لسواكنهم . وانقيادا للواعج الحب ، وإزعاجا للنفوس إلى أوطانها الأولى « 1 » ومعاهدها التي سبيت منها . والنفوس الطالبة المرتاضة السائرة لا بد لها من محرك يحركها ، وحاد يحدوها . وليس لها من حادي القرآن عوض عن حادي السماع . فتركب من هذه الأمور : إيثار منهم للسماع . ومحبة صادقة له . تزول الجبال عن أماكنها ولا تفارق قلوبهم . إذ هو مثير عزماتهم ومحرك سواكنهم ومزعج بواطنهم . فدواء صاحب مثل هذا الحال : أن ينقل بالتدريج إلى سماع القرآن بالأصوات الطيبة . مع

--> ( 1 ) إن الذي يتحرك عند سماع الغناء والموسيقى ، ويطرب ويستيقظ ويتلذذ : هو النفس البهيمية ، لا النفس الإنسانية . ولذلك استدلوا عليه بما تجده البهائم والطيور والوحوش عند سماعها للغناء والموسيقى والحداء ، فهي تتحرك حركة بهيمية لا تجد من الإنسانية الكريمة المفكرة المميزة يقظة ورشدا تكبح به جماحها ، ولا حكمة تسكن حركها بسكينة الاطمئنان إلى آثار أسماء اللّه وصفاته . فعندئذ يجد الشيطان الفرصة سانحة ، فيركب النفس البهيمية - وقد انسلخت من آيات ربها . ووهنت وضعفت بهذا الانسلاخ . فاتخذها عدوها مطية . فكانت معه من الغاوين . الذين ظنوا الفسوق طاعة ، والفجور تقوى ، والشرك توحيدا ، وكثيرا جدا - بل ذلك نتيجة حتمية لهذا الانسلاخ وما استتبعه - نعم كثيرا جدا ما زاد إبليس في إضلالهم وإغوائهم . فاتخذ لهم من آيات القرآن أغاني يوقعونها على نغم الموسيقى . فيزدادون عمى على عمى ، وضلالا وخسرانا باتخاذهم آيات اللّه ودينه هزوا ولعبا . وهيهات أن يرجى لهم مع هذا - وبعد هذا - إنابة أو رجعة صحيحة إلى صراط اللّه المستقيم . وكل ذلك من ثمرات التقليد الأعمى الخبيثة . ومن آثار ما رمى به المجوس واليهود والمشركون المسلمين . ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم .